الشيخ محمد رشيد رضا

153

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم ( كراع بالضم والغميم بالفتح وهو واد امام عسفان ) وصام الناس معه فقيل له ان الناس قد شق عليهم الصيام وان الناس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون اليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم ، فبلغه أن ناسا صاموا فقال « أولئك العصاة » أي لأنهم أبوا الاقتداء به صلّى اللّه عليه وسلّم في قبول الرخصة والحال حال مشقة . وفي رواية أخرى تقدمت انه أمرهم أن يفطروا للاستعانة على لقاء عدوهم فالعصيان ظاهر وروى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث جابر قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال « ما هذا ؟ فقالوا صائم » فقال « ليس من البر الصوم في السفر » وذكر الحافظ في شرحه من الفتح الخلاف في الأفضل من الصيام والفطر في السفر وقال : الحاصل ان الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم ، وان لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر ، وقد اختلف السلف في هذه المسئلة فقالت طائفة لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) * ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس من البر الصيام في السفر » ومقابلة البر الاثم وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر « 1 » وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم واحتجوا بقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) قالوا ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدة وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة ، ومقابل هذا القول قول من قال إن الصوم في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك أو المشقة الشديدة حكاه الطبري عن قوم ، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق ، وقال كثير منهم الفطر أفضل عملا بالرخصة وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق . وقال آخرون هو مخير مطلقا ، وقال آخرون

--> ( 1 ) قال الشوكاني وحكاه في البحر عن أبي هريرة وداود والامامية اه وهو عمدة الامامية في وجوب الفطر في السفر مطلقا وتقدم الجواب عنه وهذه الرواية كالروايات السابقة كلها في السفر إلى مكة عام الفتح